الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

146

شرح ديوان ابن الفارض

وحيّا محيّا عاذل لي لم يزل يكرّر من ذكري أحاديث ذي الخال روى سنّة عندي فأروى من الصّدى وأهدى الهدى فاعجب وقد رام إضلالي فأحببت لوم اللّؤم فيه لو أنّني منحت المنى كانت علامة عذّالي [ الاعراب والمعنى ] قوله « وحيا محيا عاذل لي لم يزل » جملة دعائية معطوفة على قوله رعى اللّه مغنى ، وحيا اللّه محيا عاذل ، أي وجه رجل عاذل لي في باب المحبة . من دأبه وعادته أن يكرر من ذكر أحاديث الحبيب الذي له خال على وجنته . و « لي » متعلق بعاذل ، وإنما دعا بالتحية لمحيا العاذل لكونه كان يكرّر أحاديث الحبيب ، ثم أنه قرّر في البيت الثاني معنى تكراره لأحاديث ذي الخال ، فقال : « روى سنة عندي » أراد بالسنة الطريقة ، أي روى ونقل سنة المحبة ، وطريق الصبابة عندي أي رواها عندي فأروى قلبي من الصدى أي من عطش الهجران وظمأ الأحزان ، وأهدى الهدى بروايته تلك السنة عندي فاعجب أيها الخليل من إهداء العاذل الهدى بعذله ، والحال أنه رام بروايته تلك إضلالي لأنه رام ترك المحبة ، والإعراض عن المودّة ، ومجانبة ربع الحبيب ، والبعد عن الأنس القريب ، وذلك عين الضلال في قصد العذال ، وما أفشى عندي سوى الهدى وأبعد عني موارد الردى ، وقوله « فاعجب » جملة معترضة بين الحال وصاحبها . فإن جملة « وقد رام إضلالي » حال من فاعل أهدى . وفي البيت المناسبة بذكر الرواية والسنة والتجنيس بين روى وأروى ، والسجع في قوله « فأروى » من الصدى وأهدى الهدى ، وفيه الطباق بين الهدى والضلال ، قوله « فأحببت لوم اللؤم » ، « اللوم » بفتح اللام الملامة على الشيء والاعتراض على فاعله . و « اللؤم » بضم اللام وسكون الهمزة بعده الملاءمة وهي خلاف الكرم أي فأحببت اللوم الناشئ عن لؤم العاذل في باب المحبة . واستفتح جملة فقال : « لو انني منحت » أي لو أعطيت . « المنى » المطلوب والمقصود . و « منحت » بالبناء للمجهول ، والتاء نائب الفاعل ، والمنى مفعوله الثاني ، والضمير في كانت للمنحة المفهومة من منحت . و « علامة عذالي » هكذا في بعض النسخ علامة بالعين واللام ، ومعناها بعيد عن المقام غير ملائم للمرام . ويروي عناية بالعين والنون والياء المثناة من تحت ، وهذه الرواية حسنة في المقام مستحسنة في الكلام ، لأنّ منحة الهدى عناية من العذال لأنهم كانوا سببا لذلك الاتصال . وفي البيت قرب اللفظ في لوم ولؤم . ( ن ) : قوله الخال كناية هنا عن النقطة السوداء في الوجه الإلهيّ ، وهي الكون لأنّ الكون ظلمة ، وإنما أناره ظهور الحق فيه وأما أن يراد بالخال النفس الإنسانية الغافلة عن ربها فإنها ظلمة سوداء . وقوله روى ، أي العاذل المذكور . وقوله سنة ، أي